في الوقت الذي ينتظر فيه المشاهد المغربي محتوى رقمياً يساهم في رفع منسوب الوعي السياسي وتجويد النقاش العمومي، فاجأنا الصحفي توفيق بوعشرين في إحدى حلقات “بودكاسته” بتاريخ 2 فبراير 2026 بخروج لم يكن فقط غريباً عن أدبيات المهنة، بل كان صادماً في حمولته اللفظية والقيمية.
لقد اختار بوعشرين، وبكل طواعية، أن يغادر مربع التحليل السياسي الرصين ليدخل زقاق “النبز بالألقاب”، واصفاً السيدة فاطمة الزهراء المنصوري بلفظ “النكافة”. وهنا لا بد من التوقف عند هذا التوصيف الذي لا يسيء للمنصوري كوزيرة أو كمنسقة وطنية لحزب الأصالة والمعاصرة أو كعمدة لمدينة مراكش فحسب، بل يسيء للمرأة المغربية في مراكز القرار، ويستدعي مخيالاً ذكورياً يحاول تقزيم الأدوار السياسية الكبرى في قوالب فلكلورية مهينة.
إن نقد الأداء السياسي للمنصوري كوزيرة وكعمدة حق مشروع، بل وواجب صحفي، لكن استبدال الحجة السياسية بالوصف القدحي هو إفلاس فكري يعكس عجزاً عن مجاراة السيدة فاطمة الزهراء في ملفاتها وبرامجها.
ولم يكتفِ بوعشرين بمهاجمة الأشخاص، بل عمم حكمه على حزب الأصالة والمعاصرة واصفاً إياه بـ “الحزب الهجين”. وهنا نتساءل: هل دور الصحفي هو إصدار “شهادات الميلاد” للأحزاب أو “صكوك الغفران” الأيديولوجية؟
إن وصف مؤسسة حزبية تشارك في تدبير الشأن العام بـ “الهجانة” هو ضرب صارخ لمبدأ الحياد والموضوعية، وتحول من “مخبر” أو “محلل” إلى “خصم سياسي” يستعمل منصته لتصريف مواقف ذاتية ضيقة.
ما حدث في تلك الحلقة هو “مجزرة أخلاقية” بامتياز ضد ميثاق الشرف الصحفي. إن القواعد المهنية تفرض الإحترام الواجب للأشخاص بعيداً عن حياتهم الخاصة أووصفهم بالأوصاف الحاطة من الكرامة والمسؤولية في التعبير لأن الكلمة أمانة، وتحويل “البودكاست” إلى منصة للقذف لا يخدم حرية التعبير، بل يغذي التفاهة فالنقد يبنى على الأرقام، والسياسات، والنتائج، وليس على الانطباعات الشخصية والنعوت السوقية.
إن الصحافة المغربية اليوم في مفترق طرق؛ فإما أن تظل صمام أمان للنقاش الديمقراطي، أو تسقط في فخ “الإثارة الرخيصة” (Buzz) على حساب الكرامة والمهنية. ما صدر عن توفيق بوعشرين لا يمثل إلا صاحبه.
محمد علي السراج
































